Logo

إيمراغن’.. المجتمع البدائي الذي تحدى كل وسائل العصرنة

إيمراغن’،هم مجموعة بشرية تسكن بمحاذاة شاطئ المحيط الأطلسي في الشمال الغربي لموريتانيا، ويعيشون على الصيد التقليدي، الذي يمارسونه بواسطة أدوات ووسائل بدائية صنعوها محليا، وما زلوا حتى اليوم متمسكين بها، كما يتشبثون بعاداتهم الموروثة في طرق الصيد ومواسمه المعروفة لديهم بدقة فائقة، ويرفضون التعامل مع الوسائل الحديثة، التي يقولون إن ظهورها كان سببا في تناقص الأسماك وانقراض عينات منها بصورة نهائية، ويسمى الرجل منهم ’آمريغ’، والمرأة ’تامرغيت’، ويعرفون بخبرتهم الطويلة ومعرفتهم الدقيقة بعينات الأسماك ومواسم صيد كل صنف منها، وأماكن تكاثرها، ولهم فنون وأساليب وطقوس خاصة في صيد الأسماك يصرون على التمسك بها حتى في زمن العولمة وطغيان التكنولوجيا، هذا فضلا عن أن حياتهم تعتمد على السمك بشكل كامل، من غذاء ودواء وغير ذلك، ويعرفهم الباحث الموريتاني المتخصص في تراث إيمراغن، غالي بن سيدي أعمر بالقول ’هم رجالا ونساء يمارسون الصيد بالخيط، قدم أجدادهم إلى منطقة انمامغار على شاطئ المحيط الأطلسي’.

أما الباحثة ملة بنت الشريف فترجع تسمية ’إيمراغن’ إلى وظيفة معالجة شجر ’تيتارك’ الذي يصنعون منه شباكا للصيد، واعتبرهم عدد آخر من المؤرخين مجموعة ذات أصول مختلفة، أغلبها جماعات هاجرت إلى المنطقة قبل قيام دولة المرابطين، والتحقت بها مجموعة من بقايا المرابطين، هي عبارة عن أطفال وشيوخ ونساء تخلفوا عن الخروج للجهاد، وبقوا في منطقة ’اتيدرة’ شمال نواكشوط التي انطلق منها المرابطون، وقد اندمجوا مع المجموعة الأولى.
’الكصور’.. مواطن ’إيمراغن’
وتقيم ’إيمراغن’ في تجمعات سكنية على شاطئ المحيط الأطلسي تسمى ’الكصور’، وتتألف مبانيها في الغالب من عروش وأكواخ صنعت من الشجر والحشيش، ويسمى العريش الواحد عندهم ’التيكيت’، ويصنع نساء ’إيمراغن’ مساكن من ’التيكيت’، تكون ذات ظل وارف كثيف، تمنع تسرب البلل مهما كان المطر غزيرا، ويقول الباحث ولد سيدي أعمر إنهم أقاموا تجمعاتهم أصلا ’في مصائد عرفوا كثرة أسماكها وسهولة قتلها فيها، ومن السمك تغذوا ومنه تعالجوا، وهذا الغذاء وهذا العلاج مناطهما تجربة القوم في صناعة الأغذية من السمك والتداوي به’.
وتنتشر تجمعاتهم السكنية الكصورعلى شاطئ المحيط ومن أشهرها، ’بلوخ’، و’تويليت’، و’امحيجرات’، و’المامغار’، و’أوكج’، و’لمسيد’، و’تيشط’، و’تنعلول’، و’آ ادير’، ولهذه المجموعات حدود بحرية تم رسمها عرفيا ونظريا في ما بينهم، بحيث لا تصطاد أية مجموعة في المياه التابعة للأخرى، ويقول المؤرخون إن هذه ’الكصور’ تأسست تمشيا مع حركة السمك على الشاطئ، ويضيف أحد الباحثين ’نظرا لمعرفة القوم بمواسم تحركه (أي السمك) ومواطن استراحته، أقاموا قراهم في مناطق قريبة من الشاطئ، سموها المصايد، وأصبح لكل منها مجاله الذي يمارس فيه الصيد، وذلك وفق مسافات يبدو أنها محددة وفق أعراف وتقاليد معينة’.
وسائل بدائية
وتمتاز إيمراغن بالحفاظ على طبيعة الحياة التقليدية البدائية، بما في ذلك الوسائل التي يستخدمونها في صيد السمك، وهي من صناعتهم وإنتاجهم، بدءا بالشباك، التي يصنعونها من مواد طبيعية، تعتمد على عراجين شجر الرتم، ويسمى محليا ’تتارك’، وتقوم ’إيمراغن’ بإرسال مجموعات من الشباب للبحث عن هذه الشجرة التي تنبت بعيدا عن شاطئ المحيط، وتعتبر من نباتات الصحراء، وتمسى المجموعة الذاهبة لجلب هذه الشجرة ’الفزاعة’، وبعد إحضارها يتم عزل الألياف اللينة منها، وتجفيفها ثم يتم فتلها على شكل خيوط وأسلاك، تصنع منها الشبكة، التي يجتمع الرجال والنساء عادة في جلسات نسجها وصناعتها، وتستخدم في قياس فتحات كل شبكة وحدات معروفة ودقيقة تسمى ’إكرف’، وتختلف سعة فتحات الشبكة باختلاف أغراض الصياد وأنواع الأسماك التي ينوي تخصيص شبكته لصيدها، فهناك شبكة مخصصة لصيد السمك الكبير، أو ما يسمى محليا ’أزول’، وتمتاز عادة بأن فتحاتها تكون واسعة، وهناك شبكة مخصصة لصيد السمك من الأحجام المتوسطة ويسمى ’بازدول’، ومن الشباك ما يستخدم لصيد السمك الصغير الحجم، ويسمى ’ياي بوي’، وتستخدم نفس الأساليب والأدوات في صناعة أنواع الشباك، ويبقى الفرق الوحيد هو حجم فتحات عيون الشباك، وهناك يظهر دور المتخصصين المهرة، الذين يمتازون بالدقة في الصنعة، والحرفية العالية التي ورثوها أبا عن جد، وتتطلب صناعة شباك جيدة وقوية، أياما من العمل المتواصل يشارك فيه الجميع، وبعد ذلك يتم إرسال مجموعة أخرى (فزاعة) لجلب نبات العيشيراء ويسمى محليا ’تورجة’، لتصنع منه أدوات تعتبر ملازمة للشباك، وضرورية لتحديد طبيعة عملية الصيد، فهناك أدوات تصنع كجزء مكمل للشبكة، منها ما يتم ربطه مع الشبكة لمنعها من النزول إلى قاع البحر، في حال كان المطلوب صيد أسماك السطح، كما تصنع أدوات أخرى تقوم بدور عكسي، حيث يتم ربطها مع الشبكة لشدها نحو القاع، في حالة كان المطلوب صيد الأسماك التي لا تطفو على السطح، فالآلة التي تربط مع الشبكة للنزول بها إلى قاع البحر تسمى ’أدان’، ولها شكل بيضاوي، ويتم صنعها محليا، عن طريق بعض المواد الطبيعية، وتصنع ’أدان’، من الطين، وتضاف إليها كميات من فضلات الحيوانات (الغنم والإبل والبقر)، ويتم خلط الجميع في إناء كبير، ويصب عليه بعض الماء، ويتم مزجه على شكل عجينة، يصنع منها شكل بيضاوي، يتم ثقبه من الوسط، ويترك أياما تحت أشعة الشمس حتى يجف، بعد ذلك يتم جمع كميات أخرى من فضلات الحيوانات في حفرة وتوقد لها النار، وتوضع فيها ’أدان’، لمدة قد تصل اثنتي عشرة ساعة، وتسمى هذه العملية ’الشي’، بعد ذلك تتصلب ’أدان’ وتصبح أقسى من الفولاذ، ويستحيل ذوبانها في البحر أو تأثرها بتلاطم الأمواج، ويتم ربطها بالشبكة حيث ينزل بها إلى قاع البحر، وتستخدم ’أدان’ في الشباك المخصصة لصيد الأسماك التي لا تطفو على السطح، وهناك أداة أخرى تصنع محليا ولها دور معاكس تماما لدور ’أدان’، وتسمى هذه الآلة محليا ’تيفان’، ومهمتها منع الشبكة من النزول إلى قاع البحر في حال امتلأت بالسمك، وتكون هذه الأداة على شكل قصبة، وتصنع في الغالب من شجر ’اليتوع’، الذي يسمى محليا ’أفرنان’، حيث يتم قطع أغصان من هذه الشجرة وتصنع منها قصبات مجوفة، وتختار ’إيمراغن’ عادة شجر اليتوع لخفة وزنه، ويتم تجويف هذه القصبات بشكل كامل، وتوضع فيها ثقوب في أطرافها، ويتم ربطها مع الشبكة.
’التامونانت’..
زوارق ’إيمراغن’
أما الزوارق التي يصطادون بها فيتم صنعها محليا، ويسمى الزورق عندهم ’التامونانت’، ويجمع على ’التمانين’، وتتم صناعة ’التامونانت’ من مواد أولية كلها تنتج محليا، وقبل الشروع في صناعتها، ترسل مجموعة ’فزاعة’ لجلب ألواح كبيرة من شجر الأيك المنتشر في الصحراء، وبعد نحتها ومعالجتها وتسوية صفائحها بالنار والمناشير، ودهنها لعدة أيام حتى تصلب وتقوى، يتم ربط بعضها ببعض، وتسمى عملية ربط الألواح فيما بينها باسم ’التصمار’، وتستخدم فيها المسامير والألياف والأسلاك القوية والحبال، ولكل صفيحة من هذه الألواح الخشبية اسم تعرف به، فعلى سبيل المثال تسمى القطعة الخشبية التي تكون في مقدمة الزورق ’لوص’، وتلك التي تكون في المؤخرة تسمى ’كوس’، أما الصفيحتان اللتان توضعان في جانبي الزورق فتسميان ’اجرايد’ ومفردها ’اجريدة’، أما الألواح التي تكون فوق ’اجرايد’ فتسمى، ’ابنايك’، بينما يسمى عمود الخشب الذي يشكل العمود الفقري للزورق في الأسفل ’الكلاع’.
وخلال صناعة ’التامونانت’ (الزورق) يتم استجلاب كميات من أغصان شجر ’اليتوع’، ويسمى محليا ’الفرنان’، الذي يستخرجون منه سائلا أبيض اللون شبيها باللبن، يسمونه ’لبن الفرنان’، ثم يأخذون كميات من صدف المحار الموجود على الشاطئ، وتقوم النسوة بسحقها حتى تصبح مسحوقا، ويصب عليها ’لبن الفرنان’، ويتم مزجهما حتى يتحولا إلى معجون يتم طلاء الزورق به، وتسمى تلك العملية باسم ’التفلاك’، ويتم صب كميات كبيرة من الطلاء على الألواح حتى تكون طبقة الطلاء سميكة، والهدف من ذلك هو منع تلك الألواح الخشبية من التآكل بسبب مكوثها طويلا في ماء البحر، أو التراب المبلل على الشاطئ، وكلما كان المزج أقوى، والطلاء أكثر سماكة، كلما أتيح لتلك الزوارق أن تصمد وتعمر أكثر، ويعرف حاليا في أحياء ’إيمراغن’ عدد من الزوارق عمرها يزيد على مائتي سنة، وتوارثها الأبناء عن الآباء عن الأجداد، كما يشتهر في مجتمع ’إيمراغن’ أشخاص - أغلبهم اليوم تقدم بهم العمر- امتازوا بالبراعة والمهارة في صناعة الزوارق، وتختلف أحجام الزوارق باختلاف الغاية منها، فهناك زوارق معدة للصيد بعيدا عن الشاطئ، ويفترض أن يمضي الصيادون على متنها عدة أيام وسط البحر، وتكون أحجامها عادة كبيرة، يصل طولها أحيانا إلى 16 مترا، وبعرض يبلغ 4 أمتار، أما الزوارق الصغيرة التي تصطاد نهارا، وتعود إلى الشاطئ الذي لا تبتعد عنه أصلا عند الغروب، فتكون أحجامها أصغر بكثير.
وكما برع صيادو ’إيمراغن’ في صناعة أدوات صيدهم وكانوا مهرة بها، فقد برعوا كذلك في معرفة مواطن الصيد وأوقاته، ومعرفة أنواع الأسماك التي يصطادونها، وموسم صيد كل منها، وهنا تختلف المواقيت بالنسبة إلى سكان قرى ’إيمراغن’، ففي الفترة التي يكون فيها سكان ’كصور’ ’لمحيجرات’، لا يصطادون إلا ليلا، يكون سكان ’المامغار’ لا يصطادون إلا في أوقات محددة، عند غروب الشمس أو قبل طلوعها، ومرة واحدة في اليوم، بحيث لو اصطادوا قبل طلوع الشمس، فإنهم يمتنعون عن الصيد عند غروبها، والعكس تماما، وبالنسبة لصيد السمك الكبير الذي يسمى محليا باسم ’أزول’، وهو أفضل أنواع السمك بالنسبة لهم، فهناك ثلاث فترات، تعتقد ’إيمراغن’ أن هذا السمك يتحرك فيها، ويقولون إنه ينمو في مناطق الشمال، وينطلق باتجاه الجنوب، وبالتحديد المناطق المحاذية لشواطئ السنغال، حيث يتكاثر ثم يعود في رحلة العودة إلى الشمال، وتعتقد ’إيمراغن’ أن سمكة ’أزول’ في رحلتها نحو الجنوب تكون قريبة من الشاطئ محملة بالبيض، ويسهل اصطيادها، أما في رحلة العودة فإنها تكون خلالها بعيدة من الشاطئ، وهنا يصعب صيدها إلا على الزوارق الكبيرة التي تمخر بعيدا في عرض البحر.
سمك للغذاء..
وآخر للعلاج
وتعتمد ’إيمراغن’ على السمك في كل مناحي الحياة، ويقول الباحث ولد سيد اعمر ’بالنسبة لإيمراغن، تتم التغذية بالسمك مطلقا، ويدخل في تركيب الوجبات الغذائية متعددة المواد، وتستخدم بعض أنواعه كمواد للعلاج’.
وتقول امباركة اعلين، وهي سيدة معروفة في مجتمع إيمراغن، إنهم يعتمدون في علاج مرضاهم أساسا على سمكة ’ازول’، الكبيرة، حيث يسقى المريض كميات من الدهن المستخرج منها، ويأكل شرائح من لحمها، ويمتاز السمك المخصص للاستخدام في العلاج، بأنه يجفف وهو ما زال طريا ولا يعرض للشمس ولا للرياح.
ويقول الشيوخ المجربون في مجتمع ’إيمراغن’، إن العلاج بسمكة ’أزول’ لا يتعدى شهرا وخمسة عشر يوما، ويتم استخراج الدهون من رؤوس السمك بعد غليها وتصفيتها، ويتحدثون عن تجارب لهم ومعتقدات في هذا المجال، أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة، لكنهم يؤمنون بها ويتمسكون بها، وعلى قناعة كبيرة بصحتها، ومن هذه الأمور اعتقادهم أن السمكة التي تقفز فوق سطح البحر مقدارا يفوق قامة الرجل المتوسط، هي التي يعالج لحمها ودهنها المرضى، وهي صفات تنطبق عادة على سمكة ’أزول’ إذا كانت في متوسط عمرها وغير مصابة بمرض أو لم تكن حاملة للبيض، ويقولون إن سمكة ’أزول’ تعالج أمراضا كثيرة منها أمراض ضيق التنفس والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض النزلات البردية، والربو.
أما الوجبات التي يصنعونها من السمك فهي مختلفة وكثيرة، ومن أجودها وأشهرها وجبة ’الخليع’، وهي عبارة عن خليط من السمك المجفف والبيض والدهن المستخرج من السمك والسكر، هذا فضلا عن وجبات أخرى مثل ’التيشطار’ وهي عبارة عن صفائح لحم السمك المجفف، و’فاريت’ و’ملوس’، و’كرين’، و’المجوجر’، و’المجمر’.

محمد أبو المعالي